قراءة تحليلية بقلم الأستاذة ملك أول
لرائعة الأديب الدكتور عقيل درويش ( على سفح النهد) المرأة أنثى الإنسان
المرضعة حبيبة المولود
أجساد البنات تخضع لتغيرات تدريجية خلال فترة الحمل والرضاعة لتقوم الغدد التناسلية بإنتاج هرمونات تحدث تحولات في العضلات والثدي…..
فعندما نقرأ ما يكتبه الأدباء والشعراء من نصوص أدبية أو حوارية عن هذا الموضوع أو ما يشابهه بالمكنون الجسدي لن يفهمها الجهلاء أنمولة.
نجد التعصب منهم ويمتلكون المنصة بالبلاهة وإثبات الذات،فحرية التعبير وإبداء الرأي حق مقدس لكل إنسان وهذا الحق لا يكون من خلال المفاهيم المبعثرة والجزئية والسطحية للأمور.
من المعيب الاِقتصار على المعنى الحرفي المعجمي لجذر الكلمة فلابد من مراعاة السياق الذي يستعملها أهل اللغة،فبالقراءة العميقة والتحليل نتجاوز السلبيات.
..
نص نثري إنساني رمزي على شكل شعر حر
المعنون ب(فوق سفح النهد)
صاغ الأديب الدكتور عقيل علاء درويش العنوان ليكون جذابًا
أتى به كنهاية لتجربة أو رؤى إنسانية كونه الوالد والزوج.
أبدأ بتفكيك بُنى العتبة العنوانية
(فوق) ظرف مكاِن اسم يدل على الارتفاع ،وهو نقيض (تحت)
( فإن كن نساء فوق اثنتين) النساء
(وفوق كل ذي علم عليم) يونس
(سَفحُ الجبل)أَسفلُه الذي يغلظ فيسفَح فيه الماءُ.
(نهد) ثدي
سفح النهد دليل على الاكتناز العاطفي لدى المرأة والعطاء الخير الذي تجمعه لأساس المجتمع، بلا مقابل وفناء الذات لتحيا الأجيال
(العنوان) بحد ذاته قصة ساحرة لما يريده الأديب.
الله أكبر سبحانه يريد أن يرتقي بذوقنا لنتعلق بأشواق الروح لا بملذات الجسد.
لنتتبع أديبنا كيف استخدم هذا العنوان وما علاقته بالنص ورمزيته ودلالته الذي ذُكر سبع مرات
..
فوقَ سفحِ النهدْ
تنهدَ الحرفُ
تنهيدةَ غرامْ
تمهدُ لقصيدةِ هيامْ
هدهدَتْ بأمسيةٍ
أفطرَ اللسانُ
هديلُ حبيبتي
يرتلُ أعلى النجدْ
..
وصف للأم السامية بعد الولادة والألم والتأوه،
حيث الأم تنكفئ على ولدها الرضيع تهدهده بتحريكه حركةً رقيقة منظمة ليسهل نومه وبسط الفراش له ودغدغته و الابتسام والضحك له وتكليمه والغناء له، كل هذا مهم لصحة الطفل الجسدية والنفسية والاجتماعية…
فالطفل يخرج جائعًا ولكي يفطر؛ هداه الله طريقين للحياة والرزق أي ألهمه الثديين كي يرضع منهما
وهو المصدر الرئيس لتغذيته،فطريق الخير بصعود
( وهديناه النجدين)البلد
(نجدين) الجذر ( نجد)
المقطوعة مسكونة بشعرية متفردة جاذبة تهيمن على ذائقة المتلقي وتدفعه إلى استلهام المعاني المضمرة بين تضاعيف الكلمات.
..
فوقَ سفحِ النهدْ
عاريةٌ كلماتي
طهورٌ عشقُنا
مولدي
و ذكرى المهدْ
..
آل عمراِن( ويُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ)
وكأن المولود يروي قصة رضاعته
فعشقه لأمه عشق عفيف مفطور عليه منذ الولادة بكلام مغمغم وسرير يشهد البداية والبراءة.
لم يسهب الأديب، ليترك للقارئ الغوص في الأغوار الممتلئة دررًا واكتفى ببعض الكلمات المهمة باعتقاده….
..
فوقَ سفحِ النهدْ
لغةٌ
وحديثٌ
شهوةٌ لفنجانِ قهوةٍ
و قلمْ
ديوانٌ منَ الودِّ
مدادهُ الشهدْ
..
ملامسة الجلد للجلد تُشعر الرضيع بالأمان والدفء.
جلسة رومانسية ؛أثناء عملية الإرضاع أجمل التجارب بمثابة حوار غرامي شيق بين الحبيبين ،توطد العلاقة بين الأم ورضيعها هي أمان وحب وحنان مرسومة من الهالة السوداء عبر قنوات الحلمة، بمداد اللباء السائل الرقيق الأصفر الشبيه بلون العسل.
..
فوقَ سفحِ النهدْ
يخيمُ متيمٌ
سحبٌ و غيمْ
سيهطلُ الغيثُ
سأمضي ليلتي
الوقتُ ينبضُ
خاليًا من العدْ
…
لا رزنامة صارمة للاٍرضاع والأمر،عفوي من الثدي فالرضيع عاشق هائم متمسك بالحلمة المغيثة الدارة عليه الرزق دون وقت محدد ولا معدد، الحليب جاري بالغدد الثديية وهو ماصٌ متعطش للبأ العالي اللزوجة الذي يتدفق ببطء شديد مما يمكنه من الرضاعة وكيفية الربط بين عملية المص والبلع والتنفس.
..
فوقَ سفحِ النهدْ
جزرٌ و مدْ
خليجُ جزيرةٍ
قرمزيٌ
و غروبٌ سرمديٌ
على شاطئٍ ممتدْ
..
استخدم أديبنا (الكناية) لحلمة الثدي والعروق الحمراء والزرقاء والهالة وما يجاورها من تعرجات نتيجة إدرار الحليب وتسربله واكتنازه، وتصبغ المنطقة بالبني الغامق الدائم بفترة الرضاعة.
يحاول الأديب المبدع عقيل الغوص في مفاهيم الرضاعة وشكل النهد الطبيعي أثناء هذه الفترة دون تشوه أو إغراء ، تؤسس لمعنى وجود الإنسان على هذه الأرض، من أين تغذى؟ من وراء هذا ؟ عملية تفلسف معنى الحياة في الأفق والعمق، بشاعرية رقيقة تتسلل إلى عمق القارئ، لتروي عطش السؤال عن الدوافع.
..
فوقَ سفحِ النهدْ
منارةٌ
تسطعُ على الخدْ
روافدُ ضياءٍ
تستقبلُ الوفدْ
هيَ الحاضرُ
و هيَ الغدْ
..
قد تبرز عروق الثدي باحتقانه بالحليب أو بسبب إصابته بكدمة أثناء الرضاعة إذ تظهر بقع متورمة وعروق بارزة حول الحلمات بسبب تضرّر الأوعية الدموية نتيجة مصّ الرضيع وقد شبهها الأديب بالروافد يُنار الرضيع بها فهو بمثابة شمس عطاء، نهرٌ يصب في فمه ،فأمه حياة اليوم وصانعة المستقبل.
فوقَ سفحِ النهدْ
معتكفٌ عاشقٌ
رصدٌ دونَ صدْ
فالجمالُ آيةٌ
ترتلُ الحمدْ
..
الرضيع طريقه الوحيد رصَدُ الثدي وجعله في متناوله فرائحته تُسكن آلامه وتجعله يغرد
والإعراض بالمنع لا يألفه لأنه المنبع والحياة ،هو معجزة إلهية آيات ود ورسائل غرامية تختم بحمد الله وشكره لنعمة الغذاء الطبيعي الوافر.
قرأنا تكرار العنوان( على سفح النهد) سبع مرات فالإنسان والسموات والأرض خلقوا بسبع أطوار ؛ دليل الكمال إلى القرآن في لغته وتركيبه، وهنا الكمالية لثروة النهد الخارقة.
تدخلنا الجمل في أتون حروفها، نحترق ونمتحن بنارها، فالذهب يصفو بالنار كما النص هنا، مثل كأس ماء بارد في جفاف عمر، استراحة محارب على صدرها.
✔الخاتمة✔
مما لا شك فيه أن الأديب الفنان عقيل درويش قد أجاد في طرح عملية الودّ والإرضاع بين المولود وأمه وأنصحه أن يتابع الكتابة ليتوالد الجديد من تلك الشعرية فهي بوابة الخروج من منطق الفكرة البسيطة التي يجمعها من مخزونه المعرفي إلى منطق البناء والتصوير أو الإخراج السينمائي للفكرة التي تتداخل فيها الرموز الدينية والتناص القرآني بالإضافة إلى معرفة كبيرة بدلالة الرموز وكيفية توظيفها ليختزل التجارب الإنسانية ويخرجها على صورتها الحية النابضة بالحياة.
قد اعتمد الأديب د. عقيل على استقطاب المفردة القرآنية فدخلت في ✔ تناص✔ رائع مع المفردة الشعرية، أضفت عليها جزالة اللفظ وخصوبة المعنى، وعمق الدلالة لتعزيز تنمية الفكرة في الذهن.
قال الله تعالى
_ القصص ،قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدًا…
_ (وجعلنا ابن مريم وأمه آية)المؤمنون
_ (فمن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا )
_ فاِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا )
قال الله تعالى الزخرف
( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) النمل (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) يونس (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ..)
(يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) هود ،ويَومَ القِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرفُودُ
✔الموسيقى الداخلية والمحسنات اللفظية✔
_ جناس ناقص …. مد، ود، صد …
سجع…. العد، النهد، الحمد، النجد، المهد، الشهد…. استعمل بطريقة ذكية جدًا جدًا الكناية والاستعارة.
الجمال آية.. استعارة تصريحية حذف المشبه وهو النهد وصرح بالمشبه به. الوقت ينبض ..
تشخيص ،استعارة مكنية شبه الوقت بقلب الإنسان النابض
_رد العجز على الصدر (تنهد الحرف..تنهيدة)
_(الواو)جعل مرادفات الجملة في انسجام مع بعضها البعض
_الأفعال الماضية تحقيق وقوع الفعل( تنهد،أفطر،… )
المضارعة تجدد واستمرار ( يخيم، سيهطل، سأمضي، ينبض، تسطع، تستقبل، ترتل،….) حروف الهمس والجهر( ..فوق، سفح, النهد، سحب ، لقصيدة، حديث،الشهد،شاطئ،معتكف،شهوة، قهوة ،رصد ،صد،تنهد تنهيدة ، تمهد ، الوقت.. …… )
موجز عن حياة الأديب
بعض ما كتبه عن نفسه الدكتور عقيل درويش
_درس إعلان وصحافة في أكاديمية شتيفان جورجيو،نائب رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية،مستشار تحكيم دولي لاتحاد الإفرو، دكتوراة في قيادة المجتمع وعمل المنظمات والدعم النفسي لضحايا الحروب، البورد الذهبي للسلام والتسامح الدولي، رئيس اتحاد المثقفين العرب…..
عقيلدرويش #ageel_darwish #البحرين #السعودية #شعر #خواطر #غزل #ديوانمنيتيوتراتيلي #قواعدالحب #دموعمخملية #حواءجنتي
سفير_الشعراء
سورية
شعراء_سورية
أخيرًا..شهوة التسلط والانسيابية التي تجعلنا في عيون الآخرين أعداء وشياطين تجعلنا نقتل الجمال بدواخلنا ولا نرتقي للجمال الأبدي ، فلنكن عشاق النور والحب نرغب بالحياة الكريمة ونقبل عليها دون إدانة أو اتهام لنصل للعلياء.
فلا تضيعوا ذواتكم ،أبصروا الرؤية من الأعماق؛ لنلتقي جميعًا عند الرزاق.
أضف تعليق