نص الكاتب خليل شواقفه
نقد وتحليل الدكتورة ( خيرة رحماني )
الغولة والناسك
عوت الذئابُ فشنّفت الحانُها
اسماع قطعان الخراف الرُتّعِ
وشدا الغرابُ فرجّعت انغامهُ
أوتار أعواد اليمام الخُشّعِ
وتلفّت الدُبُّ الكبير فهلّلت
أسراب غزلانٍ تعيشُ ببلقعِ
وغزت كلابُ الأفق في رأد الضحى
غاباً يموجُ بلا ليثٍ أورعِ
وتناثرت فوق البطاح عرائسٌ
تُحيي الموات بقلب كلّ مُفزعِ
وهناك قُرب الشمس خلف نجيمةٍ
أسوارها جُبلت بماء الأدمعِ
جلست تولولُ غولةٌ أهدابها
طُليت بآهات الصّغار الرُضّعِ
دراسة نقدية لنص الكاتب خليل شواقفة.
تتخلله مداخلات أدبية لتعميق الفهم .
نظر لأهمية النص ودلالاته المتنوعة، التي مهما تناولها الناقد بالشمول تبقى ثغرات منها تدق عليه باب الفكر تارة وباب الذكر حينا آخر.
وأنا أهم بدراسة النص النثري( الغولة والناسك) لصاحبه المشار إليه بكل احتراماتي، حقيقة ليس ثناءا، وجدت الكثير من التورية والموارات ،حتى أنني كلما ردمت نبعا من بعض ما ترتب عن النص وجد مناهلا أخرى.
أرجو أن أوفي منه ولو النذر اليسير، وإليكم الجزء الأول،من ثلاثة أجزاء،من تحليلي الخاص متبوعا بتقويم نقدي. والله المستعان.
الأدب كالإنسان يتغير ويتجدد ليساير الحياة وتطوراتها، ولقد جاء التجديد في الشكل الموسيقي في قضايا الشعر المعاصر حاجة ملحة،دافعها إخضاعه للحالة النفسية للشاعر ، لذلك نجد الأنغام تلتقي وتفترق، تحت إرشاد الإيقاع الموسيقي، ويساعد الشاعر على تنسيق مشاعره، ومن هذا المنطلق، ظهر التجديد في الوزن والقافية. وقد مر الإطار الموسيقي للشعر المعاصر بثلاثة مراحل:
1_ البيت الشعري
2_ السطر الشعري
3_ الجملة الشعرية
وتناول الشعر النثري المعاصر قضايا معينة خضعت لعدة معطيات، أهمها الأفكار والمعتقدات والميول والرغبات والإصلاح والسياسة، والثورة على المألوف الوامق.
يقول نزار القباني:( اللغة ليست لديها غاية بذاتها،ولكنها مفاتيح إلى عوالم أرحب،وقيمة الحروف تكون بقدر ماتثيره حولها من رؤى وظلال، وتبعثه من ايحاءات.)
عن نص الغولة والناسك…..للكاتب خليل شواقفه
_ الجزء الاول_
الغولة في المعجم الوسيط.: من، غاله الشىء غولا،واغتاله أهلكه، وأخذه من حيث لا يدري، والغول والغولة بمعنى ( المنية) .يقول تعالى: إلا فيها غول.) أي لبس فيها غائلة الصداع، قال بن عبيدة بن الجراح: الغول أن تغتال عقولهم، والغول بالضم من الثعالي ،والجمع أغوال وغيلان، وكل ما اغتال الإنسان، فأهلكه فهو غول، والغضب غول الحلم لأنه يذهب به، واغتاله قتله غيلة.
الناسك: هو الشخص الذي يعيش في عزلة عن المجتمع،واستخدام العامية الحديث لمصطلح الناسك، يدل على شخص يعيش بعيدا عن المجتمع، والنساك هم الذين لا يشاركون في المجتمعات الإنسانية، والقارىء للنص مرات وبتمعن وفقه يجد العنوان مناسبا لإدراج الأفكار التي سنعالجها إن شاء الله لاحقا.
1_ البناء الفكري:
تطغى النزعة التأملية على الكاتب، والنمط الغالب وصفي سردي، واستعمل الكاتب:( الرمز)
عن نص الغولة والناسك للأستاذ خليل شواقفة
نقد الأفكار.
يمارس الكاتب أدب الإلتزام، وهو الصادر عن أديب مؤمن بقضايا أمته غيور على قيمها، صادق الذود عن حياضها، نلمس في تعبيره تلقائية وحرية تدل على اقتناعه بما يصدر عنه_ أما عن أسباب لجوء الكاتب إلى التعبير بالرمز نعددها فيما يلي:
1_ اختصار قصة طويلة تحتاج إلى مجلدات.
2_انعاش خيال القارىء بإحياء معاني محددة في نفسه، واشراكه في العملية الإبداعية بدفعه إلى إعمال فكره، وبذل جهده لمعرفة ماهية الرمز.
3_إحياء روح الإنتصار والتوق للمجد لدى القارىء
4_ التهكم والسخرية من المظاهر السلبية وذلك باستعمال الحيوانات لدلالة على الأشخاص.
5_خوف الكاتب من قوة تعاقبه فيلمح بالرمز بدل التصريح.
وقد راقني تميز النص بالوحدة الموضوعية كأنه قلادة أو سوار بالإضافة إلى ذلك كونه انساني ينبع من معاناة الإنسان المعاصر.
أفكار النص:
1_ الرباعية الأولى: تصوير معاناة الأرض والإنسان.
2_ الرباعية الثانية: كشف المستبد وتعريته عن حقيقته باظهاره لجرائمه الفضيعة.
3_ دعوة الكاتب إلى لم الشمل وإعطاء القضية بعدا إنسانيا بعيدا عن الطابع العنصري، وتوعية الشعب وتبصيره بحقه في الحرية والتحريض على نصرة المظلوم وكشف الظالم.
العاطفة من خلال الأفكار:
هادرة ، قوية تدعو إلى التحرر، ورفض الظلم، والإنتصار للدين.
يتبع.
عن نص الغولة والناسك. للأستاذ خليل شواقفه
الجزء الثالث.
البناء اللغوي:
(عوت الذئاب) كناية عن المآمرة( شنفت ألحانها). استعارة مكنية شبه الشاعر الألحان بالشفة العليا للإنسان مع نظرة الحقد الدفين. فالألحان هنا أشبه بطبول الحرب، لا تنذر سوى بالدمار. ( وشذا الغراب) مجاز مرسل: ذكر الكاتب الجزء وأراد به الكل للدلالة على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ولعله يلوح إلى قوله تعالى في سورة المائدة: ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليوريه كيف يواري سوءة أخيه، قال ياويلي….).وهذا رمز تاريخي ديني.
(فرجعت أنغامه أوتار أعواد اليمام الخشع). صورة بيانية مركبة فبها تشبيه ضمني، حيث شبه الكاتب نفوس قومه الحزينة باليمام الخشع. وشبه هديل اليمام بجوق العود الحزين،والعود هنا يرمز للأصالة والتاريخ،واليمامة رمز تاريخي وديني. ( تلفت الدب الكبير) تشبيه بليغ ذكر اسم الحيوان، وأراد به جمهور العرب النائمين ،لأن من صفات الدب السبات العميق، وكأنه يشبه هنا واقع العرب بالشتاء( رمز طبيعي). مستتر. واذا سلمنا أنه يقصد بالدب الكبير، كوكبة النجوم التي يسميها العرب قديما بنات نعش. وهي نجوم أربعةعلى شكل رباعي الأضلاع، ثلاثة على الذيل البنات والنجم الذي على طرف الذيل يسمى قائد_ وقد بلغني أن مجالس السمر في اليمن لا تخلو من ذكر المهدي المنتظر_ وتبقى نجمتان على المضلع تسمى الدليلان وربما قصد الكاتب فلسطين ودولة أخرى لم أعرفها..! والجدير بالذكر أن العرب قديما كانوا يستدلون بهم لمعرفة النجم القطبي، وهوالذي يحدد الشمال الجغرافي( وهو ما يفسر قول الكاتب هناك قرب الشمس خلف نجيمة) و( الليث الورع هو المهدي المنتظر). والغولة رمز أسطوري استعارها لوصف الحرب والدمار.
( والذئاب والكلاب) رموز سياسية اجتماعية، فالذئب مستبد خارجي، والكلب وفي لصاحبه يدين بالولاء ولأن الكاتب قال( كلاب الأفق) كناية عن التفوق الجوي العسكري فهو يقصد أمريكا. لأن التفوق العسكري أصبح في وقتنا الحالي معيار تفوق الأمم واليهود شر برية العرب بالتواطىء مع أمريكا. يتبع.
الغولة والناسك.
نقد الأسلوب:
إذا قدر لكاتب نص الغولة والناسك أن يحاكمه قاضي النقد، لتنازعه فريقان:
1_ فريق تبسيط اللغة: ويرى أسلوبه جزلا فيه حدةوصناعة وهو مستعص عن عامة الناس…! وينتقدوه.
2_ وفريق صناع اللغة ويراه مبدعا وصافا والوصافون كتاب هربوا من الجنة نرى بعيونهم، ونسمع بآذانهم، ويخطر على قلوبنا من خلالهم.
أما أنا فعندما قرأت قول الكاتب( أسراب غزلان تعبش ببلقع). تخيلت أرض المحشر والناس شاخصة عيونها…!
وتبادر إلى ذهني قول جرير: حيوا المنازل واسألوا أطلالها…..هل يرجع الخبر الديار البلقع….؟!
وعندما قرأت قوله( جلست تولول غولة أهدابها…طليت بآهات الصغار الرضع) تجلى أمامي أطفال فلسطين، واليمن، والعراق،وسوريا.
فالكاتب تسيطر عليه فكرة الموت وتشعره بالخوف من المجهول، ولأنه موهوب فهو وصاف يطرب من يفهم كلماته، ومن لا يفهمها على حد سواء…!؟ وبانشاده الداخلي يرتقي إلى مستوى النخبة، ويقرأ له الخاصة…..تحياتي…تم.
أضف تعليق